المستشار القانوني في سلطنة عمان بين النص القانوني ودوره الحقيقي داخل المؤسسات

في بيئة الاعمال الحديثة لم يعد وجود المستشار القانوني داخل الشركات والمؤسسات رفاهية ادارية او مجرد وظيفة تكميلية، بل اصبح جزءا اساسيا من صناعة القرار وحماية المصالح وتقليل المخاطر.

ومع صدور قانون المحاماة والاستشارات القانونية الجديد في سلطنة عمان بموجب المرسوم السلطاني رقم 41/2024 اتجه المشرع العماني الى تنظيم مهنة الاستشارات القانونية بصورة اكثر وضوحا ودقة، باعتبارها مهنة مستقلة لها ضوابطها ومسؤولياتها المهنية.

القانون عرف المستشار القانوني بأنه كل من يقيد في جداول المستشارين القانونيين وفقا لأحكام القانون، وهو تعريف يحمل دلالة مهمة جدا، وهي ان صفة المستشار القانوني ليست مجرد مسمى وظيفي، وانما صفة مهنية منظمة لا تمارس الا وفق ضوابط الترخيص والقيد المهني.

وفي الواقع العملي فان دور المستشار القانوني لا يقتصر على ابداء الرأي عند حدوث النزاع، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، منذ مرحلة دراسة العقود والتفاوض وصناعة القرار وتقييم المخاطر القانونية والرقابية.

واحدة من اهم النقاط التي ركز عليها قانون المحاماة العماني ولائحته التنفيذية هي تنظيم مكاتب الاستشارات القانونية باعتبارها مؤسسات مهنية متخصصة، حيث اوجبت اللائحة وجود سجل مهني خاص بمكاتب الاستشارات القانونية يتضمن بيانات المكتب والشركاء والمدير المسؤول والمستشارين القانونيين العاملين به.

كما اجازت اللائحة للمكاتب انشاء مواقع الكترونية وحسابات مهنية وفق ضوابط محددة، مع منع تحويل العمل القانوني الى نشاط دعائي تجاري يسيء للمهنة.

ومن خلال التطبيق العملي يمكن تلخيص اهم مهام مكاتب الاستشارات القانونية والمستشارين القانونيين في عدة محاور اساسية:

  • تقديم الرأي والمشورة القانونية.
  • مراجعة وصياغة العقود والاتفاقيات.
  • دعم الحوكمة والامتثال داخل الشركات.
  • متابعة المخاطر القانونية والتنظيمية.
  • اعداد اللوائح والسياسات الداخلية.
  • دعم مجالس الادارة والجمعيات العامة.
  • التنسيق مع المحامين والجهات القضائية عند وجود نزاعات.

كما حرص القانون العماني على حماية استقلال المهنة ومنع تضارب المصالح، فنص على عدم جواز الجمع بين المهنة وبعض الاعمال التجارية او الوظيفية، مع استثناء عضوية مجالس ادارة شركات المساهمة العامة.

وفيما يتعلق بشركات المساهمة العامة فقد اصدرت الهيئة العامة لسوق المال القرار رقم 10/2018 بشأن ضوابط تشكيل لجنة التدقيق وتعيين المراقب الداخلي والمستشار القانوني في شركات المساهمة العامة.

وهذا القرار يعكس بوضوح حجم التحول الذي شهدته بيئة الحوكمة في سلطنة عمان، حيث لم يعد ينظر الى المستشار القانوني باعتباره مجرد جهة تقدم رأيا قانونيا عند الطلب، بل اصبح جزءا من منظومة الرقابة والحوكمة وحماية المساهمين وضمان سلامة القرارات داخل الشركة.

وقد وضعت الضوابط مجموعة من المعايير المهنية الدقيقة عند تعيين المستشار القانوني، من اهمها:

  • ان يؤدي مهامه بأمانة ومسؤولية وبذل العناية المهنية اللازمة.
  • ان يتجنب اي علاقة قد تؤثر على حياده واستقلال رأيه القانوني.
  • عدم قبول الهدايا او المزايا التي قد تؤثر على موضوعيته.
  • المحافظة على سرية المعلومات والبيانات التي يطلع عليها بحكم عمله.
  • عدم استغلال المعلومات لتحقيق منافع شخصية.
  • الالتزام بالإفصاح عن الحقائق الجوهرية التي قد تؤثر على اعمال الشركة او قراراتها.

واللافت في هذه الضوابط انها ربطت بشكل مباشر بين عمل المستشار القانوني وبين مفاهيم الحوكمة والشفافية والرقابة الداخلية، وهو ما يؤكد ان دور المستشار القانوني في شركات المساهمة العامة لم يعد دورا شكليا او ثانويا.

فالمستشار القانوني اليوم يشارك بصورة غير مباشرة في حماية الشركة من المخاطر التنظيمية والمالية، ويعمل على تعزيز سلامة القرارات، وتقليل احتمالات النزاعات، وضمان توافق اعمال الشركة مع القوانين واللوائح والقرارات التنظيمية.

كما ان التطورات الاقتصادية والتشريعية التي تشهدها سلطنة عمان، خاصة في ظل رؤية عمان 2040، جعلت من قطاع الاستشارات القانونية واحدا من القطاعات المهنية المرشحة للنمو بشكل كبير خلال السنوات القادمة.

فالتوسع في الاستثمار الاجنبي، والمشروعات الكبرى، وعمليات الاندماج والاستحواذ، والتكنولوجيا المالية، والاقتصاد الرقمي، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، كلها قطاعات تحتاج الى مستشار قانوني متخصص يمتلك فهما قانونيا وتجاريا في ذات الوقت.

كذلك فان التوسع المستمر في متطلبات الامتثال والحوكمة والافصاح داخل المؤسسات والشركات المساهمة العامة سيؤدي بطبيعة الحال الى زيادة الطلب على مكاتب الاستشارات القانونية المحترفة.

وفي تقديري فان المستقبل الحقيقي للمهنة في سلطنة عمان سيكون للمستشار القانوني القادر على تجاوز فكرة العمل التقليدي القائم فقط على مراجعة العقود، والانتقال الى دور الشريك الاستراتيجي في صناعة القرار وادارة المخاطر وحماية استدامة المؤسسات.

وفي النهاية يبقى المستشار القانوني الناجح ليس فقط من يعرف النصوص، بل من يفهم طبيعة الاعمال، ويوازن بين القانون والمصلحة، ويحمي المؤسسة بهدوء قبل ان تصل الامور الى ساحات النزاع.

Picture of د. نزار المبارك

د. نزار المبارك

المدير العام- مكتب مهند العامري